أبو الليث السمرقندي
88
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
السماوات والأرض موجود . ويقال : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أي لا يستطيع كل خلق أن يغير نفسه عن خلقته ، فأخبر اللّه تعالى أن جميع ما في السماوات والأرض له وهو خالق الأشياء ، وهو المستغني عن الولد سبحانه وتعالى . بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، أي خالقهما . والإبداع في اللغة : إنشاء شيء لم يسبق إليه على غير مثال ولا مشورة . وإنما قيل لمن خالف السنة : مبتدع ، لأنه أتى بشيء لم يسبقه إليه الصحابة ولا التابعون . ومعناه هو خالق السماوات والأرض . وَإِذا قَضى أَمْراً ، يعني إذا أراد أن يخلق خلقا ، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . ويقال : هذه الآية نزلت في شأن وفد نجران السيد والعاقب وغيرهما . وكانوا يقولون للنبي صلى اللّه عليه وسلم : هل رأيت خلقا من غير أب ؟ فنزلت هذه الآية : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، كما كان آدم من غير أب وأم ، كذا عيسى ابن مريم خلقه بغير أب . فإن قيل : قوله : كُنْ هذا الخطاب للموجود أو للمعدوم ؟ فإن قال : للمعدوم . قيل له : كيف يصح الخطاب لشيء معدوم ؟ وكيف يصح الإشارة إليه بقوله : كُنْ ؟ فإن قال : الخطاب للموجود . قيل له : كيف يأمر الشيء الكائن بالكون فالجواب عن هذا من وجهين : أحدهما : أن الأشياء كلها كانت موجودة في علم اللّه تعالى قبل كونها ، فكان الخطاب للموجود في علمه . وجواب آخر : أن معناه إذا قضى أمرا فإنما يقول له : كن فيكون ، يعني إذا أراد أن يخلق خلقا يخلقه ، والقول فيه على وجه المجاز . قرأ ابن عامر فَيَكُونُ بالنصب ، لأن جواب الأمر بالفاء ، وقرأ الباقون بالرفع على معنى الاستئناف بمعنى فهو يكون . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 118 ] وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 118 ) قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ، أي لا يعلمون توحيد اللّه تعالى ، ومعناه : وقال الجهال من الناس - وهم الكفار - : لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ، أي هلا يكلمنا اللّه فيخبرنا بأنك رسوله ، أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ ، أي علامة لنبوتك . قال اللّه تعالى : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ، أي قال اليهود لموسى - عليه السلام - : أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النساء : 153 ] . تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ، أي في القسوة والكفر . ويقال : تشابهت كلمتهم كما تشابهت قلوبهم . قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ ، يعني أمرك في التوراة أي العلامات لنبوتك إنك نبي مرسل الصفة والنعت . ويقال : قد بينا العلامات لنبوتك . ويقال : لم يكن لنبي من الأنبياء معجزة وعلامة إلّا وقد كان للنبي صلى اللّه عليه وسلم مثلها . لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ، يعني مؤمني أهل التوراة . ويقال : من كان له عقل وتمييز . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 119 إلى 120 ] إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ( 119 ) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 120 )